محمود بن حمزة الكرماني

44

البرهان في متشابه القرآن

عز وجل ، وتمسك بالهدى القرآني . وكل تفسير يحوى من العلوم بحسب ما أوتيه صاحبه من الفتح في فهم معاني القرآن حسب قابليته أو استعداده ، وطالما كان عطاء القرآن لا يتناهى بطلت دعوى كل مكابر يصرح بأن تأويله للقرآن هو القمة التي ليس وراءها مرمى ، وهو ادعاء مرفوض لقيامه على مصادرتين : دعوى الإحاطة بكلام الله تعالى ، ودعوى تحجير فضله عز وجل والافتراء بالإخبار بذلك . ومن دلائل الإعجاز أنه لا سبيل للمجرمين أو الزائغين للعقل عن القرآن الكريم ويلحق بهؤلاء من اتبع هواه أو بدّل وغيّر في دين الله تعالى ابتغاء تأويله . وكم من خائض في علوم التفسير وهو لا يجنى من ذلك سوى الزيغ والضلال لعدم طهارة سريرته ، وسوء نيته . ومرجع الأمر كله فيما يتصل بالكتاب العزيز إلى الراسخين في العلم الذين لا يبتغون فيما علموه من محكمه ومتشابهه إلا وجه الله تعالى يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . 8 - الحث على الترقي والرسوخ في العلم : الإسلام شامل لجميع العلوم والمعارف التي تربط الإنسان بالخالق وهذه الرابطة هي أساس كل كمال إنساني ، وما انحطت الأمة إلا حين تهاونت في ربط العلوم والمعارف بالله تعالى ، فاتجهت إلى ربط شؤونها بغير الله تعالى . وتوجه آية سورة آل عمران القلوب والنفوس إلى العلم الذي لا تستقيم أحوال الأمة إلا به ، كما تهدى إلى اتباع منهاج الراسخين في العلم ، ويؤخذ من الآية أن العلم بالمحكم والمتشابه يسد أبواب الفتن ، كما أن تحرى المتشابه ابتغاء الفتنة هو سبيل كل زائغ مريض القلب . 9 - باب الفهم في كتاب الله تعالى مغلق أمام من أوّله ابتغاء الفتنة : إن الذين في قلوبهم زيغ يقصدون المتشابه بغية هدم الدين بزعمهم تناقضه ، أو بغية تأييد مذهب رأوه وتمسكوا به وخرجوا به عن الإجماع بل عن الإسلام . والابتغاء : الافتعال وتكلف البغى وهو شدة الطلب . وقد تضمنت الآية ابتغاءين وهما : ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله ، فالتأويل لم يقصد به هنا وجه الحق بل قصد مخترعو هذا الإفك تطويع آي الذكر الحكيم حسب مرادهم ليوافق ما عندهم من زيغ وضلال ، هؤلاء قد حكّموا الأوضاع التي تحكمهم في كلام الله عز وجل ، فبدلا من أن يتخذوا القرآن إماما ، أصبح عندهم مأموما ، وبدلا من أن يكون متبوعا أصبح عندهم تابعا . هؤلاء الذين تعلقوا بتأويل المتشابه لم يكن تعلقهم حبا في بيان أو إيضاح ، ولا حبا في الهداية ، بل حبا في